الشيخ محمد رشيد رضا
179
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
السم في ذراعها . وكان الصحابة يأكلون من طعام النصارى في الشام بغير نكير ولم ينقل عن أحد منهم خلاف الا في بني تغلب وهم بطن من العرب انتسبوا إلى النصارى ولم يعرفوا من دينهم شيئا فنقل عن علي كرم اللّه وجهه انه لم يجز اكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم معللا ذلك بأنهم لم يأخذوا من النصارى الا شرب الخمر ، يعني انهم على شركهم لم يصيروا أهل كتاب ، واكتفى جمهور الصحابة بانتمائهم إلى النصرانية . روى ابن جرير عن عكرمة قال سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى بني تغلب فقرأ هذه الآية ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ » وفي رواية له عنه أنه قال : كلوا من ذبائح بني تغلب وتزوجوا من نسائهم فان اللّه تعالى قال - وقرأ الآية - فلو لم يكونوا منهم الا بالولاية لكانوا منهم ، أي يكفي في كونهم منهم نصرهم لهم وتوليهم إياهم في الحرب . ولما كان من شأن كثير من الناس التعمق في الأشياء وحب التشديد مع المخالفين استنبط بعض الفقهاء في هذا المقام مسألة جعلوها محل النظر والاجتهاد وهي هل العبرة في حل طعام أهل الكتاب والتزوج منهم بمن كانوا يدينون بالكتاب ( كالتوراة والإنجيل ) كيفما كان كتابهم وكانت أحوالهم وأنسابهم ، أم العبرة باتباع الكتاب قبل التحريف والتبديل ، وبأهله الأصليين كالاسرائيلين من اليهود ؟ المتبادر من نص القرآن ومن السنة وعمل الصحابة انه لا وجه لهذه المسألة ولا محل ، فاللّه تعالى قد أحل أكل طعام أهل الكتاب ونكاح نسائهم على الحال التي كانوا عليها في زمن التنزيل وكان هذا من آخر ما نزل من القرآن وكان أهل الكتاب من شعوب شتى وقد وصفهم بأنهم حرفوا كتبهم ونسوا حظا مما ذكروا به في هذه السورة نفسها كما وصفهم بمثل ذلك فيما نزل قبلها . ولم يتغير يوم استنبط الفقهاء تلك المسألة شيء من ذلك . وقد تقدم في تفسير قوله تعالى ( لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ) ان سبب نزولها محاولة بعض الأنصار اكراه أولاد لهم كانوا تهودوا على الرجوع إلى الاسلام ، فلما نزلت أمرهم النبي ( ص ) بتخييرهم ، ولا شك انه كان في يهود المدينة وغيرهم كثير من العرب الخلص ، ولم يفرق النبي ( ص ) ولا الخلفاء الراشدون بينهم في حكم من الاحكام